ابن عبد الرحمن الملطي
18
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع
لسائر الناس في صورهم وأطباعهم ، وأخلاقهم ، وأعمالهم ، وزعموا أنه تولد من النور الشعشعانى نور ظلامى وهو النور الّذي تراه في الشمس ، والقمر ، والكواكب ، والنار ، والجواهر ، الّذي يخالطه الظلام ، ويجوز عليه الآفات والنقصان ، وتحل عليه الآلام والأوصاب ، ويجوز عليه السهو والغفلات ، والنسيان ، والسيئات ، والشهوات ، والمنكرات ، غير أن الخلق كله تولد من القديم البارئ ، وهو النور العلوي الّذي لم ينزل ، ولا يزال ولا يزول ، سبق الحوادث ، وأبدع الخلق من غير شيء كان قبله ، قدره نافذ ، وعمله سابق ، وإنه حي لا بحياة ، وقادر لا بقدرة ، وسميع بصير لا يسمع ولا يبصر ، ومدبر لا بجوارح ولا آلة ، فيصفون الإله جل وعز كما يصفه الموحدون مع قولهم : إنه نور لا يشبه الأنوار ، ثم يزعمون أن الصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج وسائر الفرائض نافلة لا فرض ، وإنما هو شكر للمنعم ، وأن الرب لا يحتاج إلى عبادة خلقه ، وإنما ذلك شكرهم فمن شاء فعل ، ومن شاء لم يفعل ، والاختيار في ذلك إليهم ، وزعموا أنه لا جنة ولا نار . ولا بعث ولا نشور ، وأن من مات بلى جسده ، ولحق روحه بالنور الّذي تولد منه حتى يرجع كما كان . وقوم منهم يقولون بتناسخ الروح ونذكره إذا أتينا ، وزعموا أن كل ما ذكر الله عز وجل في كتابه من جنة ، ونار وحساب ، وميزان ، وعذاب ، ونعيم ، فإنما هو في الحياة الدنيا فقط من الأبدان الصحيحة ، والألوان الحسنة ، والطعوم اللذيذة ، والروائح الطيبة ، والأشياء المبهجة التي تنعم فيها النفوس . والعذاب : هو الأمراض ، والفقر ، والآلام ، والأوصاب وما تتأذى به النفوس وهذا عندهم الثواب والعقاب على الأعمال ، وهم يقولون بالناسوت في اللاهوت على قول النصارى سواء ، يزعمون أن الإنسان هو الروح فقط ، وأن البدن هو مثل الثوب الّذي هو لابسه فقط ، ويزعمون أن كل ما يخرج من جوف واحد منهم من مخاط ، ونخاع ، ورجيع ، وبول ونطفة ، ومذى ودم ، وقيح ، وصديد ، وعرق ، فهو نظيف حتى ربما أخذ بعضهم من رجيع بعض فأكله لعلمه أنه طاهر نظيف . وزعموا أن من قال بهذا القول ، واعتقد هذا المذهب فهو مؤمن ، ونساؤهم مؤمنات محقنو الدماء ، محقنو الأموال ومن خالفهم في قولهم ، واعتقادهم فهو كافر مشرك